حفل سجل المغفور له, الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان مؤسس الدوله وباني نهضتها بصفحات ثريه من المنجزات الوطنيه الباهرة والمواقف النبيله التي سطرها التاريخ بأحرف من نور على مدى نحو ستة عقود من العمل الوطني والقومي, وذلك منذ تعيينه حاكما لمدينة العين والمنطقة الشرقيه في عام 1946 الى توليه مقاليد الحكم في امارة ابوظبي في السادس من اغسطس 1966 وحتى انتخابه رئيسا للبلاد بعد اعلان اتحاد دولة الامارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر 1971.
وقد ولد الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان في نحو العام 1918 في قصر الحصن بوسط مدينة ابوظبي, وهو رابع أربعة ابناء رزق بهم الشيخ سلطان بن زايد ال نهيان الذي حكم امارة ابوظبي بين اعوام 1922 و 1926 وكان ترتيبه الحادي عشر في سلسلة حكام ال نهيان, وقد عرف عنه شجاعته وحكمته وقدراته على بسط الامن والسلام والنظام ونظمه للشعر والنشيد واهتمامه بالزراعه والمياه والري, حيث بنى فلج "المويجعي" مما ادى الى ازدهار قرية "المويجعي" في مطلع الستينات.
وقد تفتحت عينا زايد وسط البيئة القاسية والحياة الصعبة التي عاشها سكان امارة ابوظبي في تلك المرحلة ومن تاريخها, حيث بدأ في الاطلاع على اصول الدين وحفظ القران الكريم ونسخ من معانيه ونمط سلوكه ونهج حياته.
ثم بدأت المرحلة الثانيه من حياة الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان رحمه الله, عندما انتقل من ابوظبي الى العين, حيث اظهر شغفه المتزايد بالمكونات التقليديه التي يتصف بها البدوي الاصيل كالصيد بالصقور وركوب الخيل والهجن واتقان الرمايه, وقد امضى في مدينة العين وضواحيها السنوات الاولى من فجر شبابه وترعرع بين تلالها وجبالها وصحرائها واستمد الكثير من صفائها ورحابتها واشتهر بشجاعته واقدامه وهو لا يزال صبيا, وشكلت مكونات تلك الفترة بكل تجربتها وابعادها خصائص زعامته الفذة وفلسفته في الحياة.
وأتقن زايد, عندما أصبح شابا, فنون القتال والصول والجول والاقدام, وبدأت ثقافته تكتسب بعدا جديدا فولع بالأدب والشعر والتاريخ وأبدى اهتماما كبيرا بمعرفة وقائع تاريخ العرب وأمجادهم, وكان من امتع اوقاته الجلوس الى مجالس كبار السن ليستمع منهم عما يعرفونه من سير الاباء والاجداد وبطولاتهم, حيث بدأ الشخصية القيادية للشيخ زايد تتبلور وتظهر بجلاء خلال هذه الحقبة من بداية الاربعينات.
وأظهر السيخ زايد بن سلطان ال نهيان, عندما عين حاكما للمنطقة الشرقيه من امارة ابوظبي في العام 1946 وقدرات كبيرة في ادارة شؤون العين والمناطق التابعه لها, وكرس كل طاقاته وجهوده لخدمة المواطنين وتحسين احوالهم المعيشيه, وتقدم صفوفهم في العمل رغم شح الامكانيات التي كانت متاحه. فقد لجأ زايد الة تنمية الزراعه وحفر الافلاج وكان يشارك الرجال النزول الى جوف الارض ويرفع معهم التراب, حيث شهدت تلك الفترة عملية اصلاح زراعي محدودة اسهمت في تطوير المنطقة وازدهارها.
واستحدث الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان اول نظام للري ألغى به تجارة الماء التي كانت سائده في المنطقه الشرقيه مؤكدا "ان الافلاج الآتية من جوف الارض يجب ان تكون من حق كل الناس الذين يعيشون فوق هذه الارض".
وافتتح أول مدرسة في العين في عام 1959 وهي المدرسة "النهيانيه" ثم أنشأ مستشفى العين وسوقا تارية وشبكة محدودة من الطرق نظرا لشح الامكانيات المادية وقتها, واكتسب منذ ذلك الوقت حب مواطنيه وثقتهم به.
ويصف العقيد بوستيد الممثل السياسي البريطاني صورة الحياة الاجتماعيه التي كان يعيش فيها المواطنون في تلك الحقبة والتفافهم حول زايد وولائهم له في كتابه"ريح الصباح بقوله: "لقد دهشت كثيرا من الجموع التي كانت تحتشد دوما حوله في واحة البريمي وتحيط باحترام واهتمام.. كان لطيف الكلام دائما مع الجميع وكان سخيا جدا بماله. ودهشت على الفور من كل ما انجزه في بلدته العين وفي المنطقه كلها لمنفعه الشعب. فقد شق الترع لزيادة المياه لري البساتين وحفر الآبار وعمر المباني الاسمنتية في الافلاج لكي يستحم فيها الناس. ان كل من يزور واحة البريمي يلاحظ سعادة اهل المنطقة".
كما يروي النقيب البريطاني انطوني شيرد في كتابه " مغامرة في الجزيرة العربية" انطباعاته عن زايد في تلك الفترة بقوله: " كان رجلا يحظى باعجاب وولاء البدو الذين يعيشون في الصحراء المحيطه وواحة البريمي. وكان بلا شك أقوى شخصية في الامارات المتصالحه. وكنت اذهب لزيارته أسبوعيا في حصنه واذا دخلت عليه باحترام خرجت باحترام اكبر. لقد كان واحدا من العظماء القله الذين التقيتهم. واذا لم نكن نتفق دوما فالسبب هو جهلي".
وحظى الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان رحمه الله خلال فترة حكمه للمنطقة الشرقيه باجماع وولاء رعيته التي احبته لاسلوبه السهل الواضح في معاملته لهم ولعلاقته الحميمه الودوده بهم ولحكمته وعدله, فقد كان بالنسبة لهم رب الاسرة كما يؤكد ذلك الرحاله البريطاني ويلفريد ثيسجر او مبارك بن لندن في مشاهداته التي تضمنها كتابه الشهير "الرمال العربيه" بقوله: " ان زايد رب اسرة كبيرة يجلس دائما "للستماع الى مشاكل الناس ويقوم بحلها. ويخرج المتخاصمون من عنده وكلهم رضا بأحكامه التي تتميز بالذكاء والحكمه والعدل".
(وللحديث بقيه)
سوري ع القصور
"زايد كان قلب الحب في وطني والحب من بعد هالقلب مفتقر"