.
من الحلقات الماضية نجد منها أنه ..
كان التنفير من فوضى الغريزة والتحذير من شرورها مقصداً من مقاصد الإسلام يحفظ للإنسانية كرامتها ويوفر لها أمنها ويرتقى بها إلى أسمى الآفاق.
يقول سبحانه : ((ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً)) الآية (32) من سورة الإسراء.
وهذه الآية تتضمن معاني زاخرة يستخرجها النظر ويستجليها الفكر ... على طريقة القرآن المعجزة التي تجمع المعاني الكثيرة في اللفظ الوجيز...
فهي تبدأ بالنهي الجازم الذي يحذر من مجرد الاقتراب فضلاً عن الوقوع .. (ولا تقربوا) إشارة إلى ما في هذا الجرم من هلاك محقق وفساد كبير...
وبعد النهي تأتي الأسباب المقنعة .. (إنه كان فاحشة) والفاحشة هي الأمر القبيح الذي يجاوز في شناعته كل الحدود ... وهي كذلك التي اشتهرت بشاعتها عند الكافة، فهي موضع اتفاق على قبحها واستنكارها...
(وساء سبيلاً) يرضاه لنفسه إنسان، أو يسلكه عاقل إنه ينتهي بسالكه إلى ضياع مقومات إنسانيته فيتبدد أمنه وينفرط نظام حياته ويشقى من حيث ظن السعادة ويتألم من حيث أراد اللذة...
وساء سبيلاً يقره مجتمع أو ترضاه أمة تبتغي مكاناً كريماً في الحياة، إذ يجرد المجتمع من العاطفة النبيلة والأخلاق الضرورية لتقدم الحياة ونمائها...
وفي هذا المعنى يأتي الحديث الشريف عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ((اتقوا الزنا فإن فيه ست خصال : ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة... فأما التي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر، وأما التي في الآخرة : فيوجب السخطة وسوء الحساب والخلود في النار)) أخرجه البيهقي...
وهو : إشارة إلى المفاسد الشنيعة التي تنبتها الخطيئة في نفس صاحبها، وآثارها المنكرة في نواحي النشاط والسلوك...
أما أنه (يذهب البهاء) فتلك حقيقة ملموسة، وهي أن الخطيئة تحرم صاحبها في صفاء النفس وجمال الروح وتحوله إلى حيوان كدر الإحساس مظلم البصيرة وأما أنه (يورث الفقر) فذلك لما يضيعه الاشتغال باللذات المحرمة على الفرد وعلى المجتمع من مواهب وطاقات، إذ يصرف الناس عن الجد في العمل وعن الإخلاص في السعي. إلى جانب ما ينفق في هذا السبيل المردي من أموال وما يصاحبه من مفاسد...
وأما نقصان العمر بسبب الإقبال على الخطيئة فهي إشارة إلى ضياع الصحة وإنهاك البدن متى أقبل الإنسان على هذا المورد الآسن...
فهي مفاسد خلقية واقتصادية وصحية ملموسة في كل مجتمع تشيع فيه الخطيئة.
والحديث يشير كذلك إلى سوء العاقبة في الآخرة، وهو وازع ينشئه الإسلام في النفوس، لأن المؤمنين يخافون يوم الحساب، ومن هنا فلا بد لهم من أن يجتنبوا الخطايا لهول عقابها يوم الدين وهو الخلود في النار...
قال الله تعالى ((ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً. إلا من تاب)) الآية 68-70 من سورة الفرقان...
وهو جزء حق ... لأن الذين يسلكون سبيل الخطيئة إنما يتحدون النظام الذي شرعه الله لعباده، يتعدون حدود الله التي جعلها فاصلا بين النجاة والهلكة، مع أن الله سبحانه قد أبدلهم بالحرام الحلال، وقد أباح لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث...
لذلك وردت الأحاديث التي تمتلئ بأساليب التحذير والوعيد. يقول النبي صلى الله عليه وسلم ((إن الزناة تشتغل وجوههم ناراً)) أخرجه الطبراني.
وإلى اللقاء في حلقة قادمة ان شاء الله
تحياتي لكم ... 